خليل الصفدي

58

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

للمعاني لم يتحتّم الإضمار ، بل قد يكون التصريح أولى ، بل ربما يكاد يصل إلى حدّ الوجوب كما سنبين إن شاء اللّه تعالى . ويدل على الأولوية قول أرباب علم البيان ما هذا ملخّصه : لما كان للتصريح عمل ليس للكناية ، كان لإعادة اللفظ من الحسن والبهجة والفخامة ما ليس لرجوع الضمير ، انتهى كلامهم . فقد يعدل إلى التصريح إما للتعظيم وإما للتحقير وإما للتشنيع والنداء بقبح الفعل ، وإما لغيرهم . فمن التعظيم قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ « 1 » دون « هو » . وقوله تعالى : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ « 2 » ، ولم يقل : « وبه » ، وقوله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ « 3 » . فقد كرّر لفظ الحجّ مرتين دون أن يقال : « فمن فرضه فيهنّ ، ولا جدال فيه » إعلاما بعظامه صدلر « 4 » هذه العبادة من حيث أنها فريضة العمر ، وفيها شبه عظيم بحال الموت والبعث ، فناسب حال تعظيمه في القلوب ، التصريح باسمه ثلاث مرّات . ومنه قول الخليفة أمير المؤمنين : « نرسم بكذا » دون « إنا » إمّا لتعظيم ذلك الأمر ، أو لتقوية داعيه المأمور أو نحوهما . وقول الشاعر : [ من الرجز ] نفس عصام سوّدت عصاما وقول أبي تمام « 5 » : [ من الخفيف ] قد طلبنا فلم نجد لك في السّؤ * دد والمجد والمكارم مثلا فإن إيقاع الطّلب على المثل أوقع من إيقاعه على ضميره لو قال : طلبنا لك مثلا ، فلم نجده . وقول بعض أهل العصر : [ من الطويل ] إذا برقت يوما أسرّة وجهه * على الناس قال الناس : جل المنور

--> ( 1 ) سورة الإخلاص 112 / 1 - 2 . ( 2 ) سورة الإسراء 17 / 105 . ( 3 ) سورة البقرة 2 / 197 . ( 4 ) كذا في الأصول ، وربما كانت : فنذكر . ( 5 ) لم أعثر عليه في الديوان المطبوع .